أحمد زكي صفوت

218

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة

غير ترتيب فكر ، موجود من غير شيء يمسكه ، معبود من غير وهم يدركه ، كريم من غير عوض يلحقه ، حكيم من غير عرض يلحقه « 1 » ، قوىّ من غير سبب يجمعه ، علىّ من غير سبب يرفعه ، لو وجد له جنس لعورض في قيّوميّته « 2 » ، ولو ثبت له حسّ لنوزع في ديموميّته « 3 » . ومنها : تقدّس وعزّ فعله ، وتنزّه عزّ اسمه وفضله ، جلّ قاهر قدرته ، وعزّ باهر عزّته ، وعظمت صفته ، وكثرت منّته ، فتق ورتق ، وصوّر وخلق ، وقطع ووصل ونصر وخذل ، حمدته حمد من عرف ربه ، ورهب ذنبه ، وصفّت حقيقة يقينه قلبه ، وزكّت « 4 » بصيرة دينه لبّه ، ربط سلك سلوكه وشدّ « 5 » ، وهدم صرح عتوّه وهدّ ، وحرس معقل عقله وحدّ ، وطرد غرور غرّته « 6 » ورذله « 7 » ، علم علم تحقيق فنحا نحوه ، نقرّ له عزّ وجلّ بثبوت ربوبيته وقدمه ، ونعتقد صدور كلّ جوهر وعرض عن جوده وكرمه ، ونشهد بتبليغ محمد صلى ربّه وسلّم عليه ، رسوله وخير خلقه ، ونعلن بنهوضه في تبيين فرضه ، وتبليغ شرعه ، ضرب قبّة شرعه فنسخت كلّ شرع ، وجدّد عزيمته فقمع عدوّه خير قمع ، قوّم كل مقوّم بقويم سنته ، وكريم هديه ، وبيّن لقومه كيف يركنون « 8 » ، ففازوا بقصده وسديد سعيه ، بشّر مطيعه فظفر برحمته ، وحذّر عاصيه فشقى بنقمته . وبعد : فقد نصحتكم لو كنتم تعقلون ، وهديتكم لو كنتم تعلمون ، بصّرتم لو كنتم تبصرون ، وذكّرتم لو كنتم تذكرون ، ظهرت لكم حقيقة نشركم ،

--> ( 1 ) يلحقه الأول : أي يناله ويأخذه ، ويلحقه الثاني بمعنى يتصف به . ( 2 ) القيوم : من أسمائه تعالى ، أي الذي لا ند له . ( 3 ) الديمومة : الدوام . ( 4 ) زكت : طهرت . ( 5 ) في الأصل « وشيد » وأراه محرفا عن « شد » إذ هي التي تلائم قوله قبلها « وربط » . ( 6 ) الغرة : الغفلة . ( 7 ) رذله وأرذله : عده رذلا . ( 8 ) ركن إلى الشئ ركونا : مال إليه واطمأن ، أي بين لهم كيف يركنون إلى الحق والصواب ، وقد كانوا من قبله يعمهون في ضلالتهم ويخبطون .